محمد متولي الشعراوي
2819
تفسير الشعراوى
الفاعلة . ومن عظمة الحق سبحانه وتعالى أن الإنسان حين يكون قويا لا يمكنه أن يعطى قوته لضعيف ، فلا أحد منا يقول لضعيف : خذ قدرا من قوتى لتساعدك على التحمل ، بينما يوضح اللّه للضعيف عمليا : تعال إلى أعطك من مطلق قدرتى قدرا من القوة لتفعل . إذن القوة في المخلوق لا يعطيها أبدا لمثله ، بل يعطى أثرها . مثال ذلك عندما لا يستطيع شخص أن يحمل شيئا ثقيلا ، فيأتي آخر قوىّ ليحمله عنه ، والقوى بفعله إنما يعدى أثر قوته للضعيف ، لكنه لا يستطيع أن ينقل قوته إلى ذات الضعيف ليحمل الشئ الثقيل . واللّه لا يعدى أثر قوته فحسب ولكنه يمنح ويعطى قوة إلى كل ضعيف يلجأ إليه وإلى كل قوى أيضا . وسبحانه يتفضل بالغنى والسعة لكل غنى وفقير وبرحمته إلى كل رحيم ، وبقدرته لكل قادر ، وبحكمته لكل حكيم . إذن فكل هذه مستمدات من الحق سبحانه وتعالى . هذا هو كلامنا في « إنّا » . وحين يتكلم الحق قائلا : « أَوْحَيْنا » فهو سبحانه يأتي بصيغة الجمع . وما الوحي ؟ قال العلماء الوحي : إعلام بخفاء ؛ لأن وسائل الإعلام شتى ، وسائل الإعلام هي التي تنقل قولا يقوله المبلّغ فيعلم السامع ، أو هو إشارة يشير بها فيفهم معناها الرائي . وهذه إعلامات ليست بخفاء . بل بوضوح . وعندما يقول : « أوحينا » فهو يعنى أنه قد أعلم ، ولكن بطريق خفى . وحين تطلق كلمة « وحى » يكون لها معان شتى ، فكل إعلام بخفاء وحى . لكن من الذي أوحى في خفاء ؟ ومن الذي أوحى إليه في خفاء ؟ وما الذي أوحى به في خفاء ؟ نجد أن الحق سبحانه وتعالى جاء في أجناس الوجود ، وقال عن الأرض وهي الجماد : إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها ( 1 ) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها ( 2 ) وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها ( 3 ) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها ( 4 ) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها ( 5 ) ( سورة الزلزلة ) أي أن الحق قد ضبط الأرض على مسافة زمن قيام القيامة ، فتتحدث عندئذ